الأربعاء، 23 يوليو، 2014

علم الخوارق

عندما لا نستطيع تفسير حدث استثنائى ولا نجد تفسير علمى له كـ "المعجزة" و "الظاهرة الخارقة"فعندئذ يصنف بين الخوارق والاشياء الغامضة الى ان نثبت عدم صحته فيكون عندئد "خرافة" أو أننا ندرك القانون الفيزيائي الذي يسير وفقه مع التقدم العلمي فيصبح عندئذ "معلوم" أو يبقى موضع جدل وشبهات في التاريخ فيغدو "أسطورة". وكان الفيلسوف الألماني ماكس ديسوار عام 1889م أول من استخدم هذا المصطلح الباراسيكولوجى ليشير من خلاله إلى الدراسة العلمية للإدراك فوق الحسي والتحريك النفسي «الروحي» والظواهر والقدرات الأخرى ذات الصلة‚ أما المنهج الذي يستخدمه هذا العلم فهو المنهج العلمي الحديث مع شيء من التطوير الذي تقتضيه طبيعة الظاهرة المدروسة وهذا هو الرد على من يريد أن يعرف «هل الباراسيكولوجي علم أم لا» فهو قديم في ظواهره وقدراته‚ جديد بمنهجه ووسائله وأساليبه‚ ويبدأ بالفهم والتفسير ويمر بالتنبؤ حتى يصل إلى الضبط والتحكم بالقدرات التي يدرسها .


ما الذى يبحث عنه علم الباراسيكولوجى :

يبحث علم الباراسيكولوجي في علم الخوارق وهو يحاول الاجابة عن الأسئلة الحائرة حول المس الشيطاني والمعروف بمس الجن، الذي يشمل دراسة القدرات غير المالوفة التي يحوزها بعض الأشخاص كما يهتم بتفسير الإدراك بدون أستعمال الحواس الخمس، ويستخدم وسائل علمية كثيرة وعلوما شتى ومنها علم النفس وعلم الفيزياء والبيولوجي بالإضافة للعلوم الأنسانية مثل علم الأجتماع ويجب التفريق بينه وبين علم النفس طبقا لمفاهيم فرويد لأن مجال علم النفس بعيد عن مجال الباراسيكولوجي لأن العلماء وعلى رأسهم سيجموند فرويد لا يؤمنون بكل الظواهر المسمات بمس الشيطان أو الجن  ويرفضون فكرة البحث عن المجهول فيما وراء المادة في عالم الأرواح، ولهذا يفسر فرويد كل ظواهر المس الشيطاني أو الجن على أنها أمراض نفسية، أو مدركات حسية متوهمة(هلاوس).

الاهتمام العلمى بعلم ما وراء الطبيعة ( الباراسيكولوجى ) :

 ولكون هذا العلم من العلوم الحديثة ويعالج ظواهر غير طبيعية، لذلك يعتبر هذا العلم قريبا من الفلسفة أكثر من قربه للعلوم المادية، ويعرف على أنه بحث للعلوم فيما وراء العقل أو البحث الروحي، فهو ذلك الميدان الذي يعنى بتفاعلات الأحساس والحركة دون الأرتباط بقوة أو آلية فيزيائية معروفة علميا، فالشك ما زال يرافق مسيرة هذا البحث في ما وراء الطبيعة، وعلماء النفس عموما لا يعترفون بعلميته، وينقسم الناس بين مؤيد لتلك الظاهرة ورافض لها. واندفع العلماء إلى دراستها قبل مائة سنة وما زالوا يواصلون ذلك، ولحد الآن لم يتوصلوا إلى ما يؤيدها علميا. وأجريت تجارب لا حصر لها وبالرغم من ذلك لم تظهر النتائج بشكل يدل على علمية ما يدعي أصحابها. ولهذا أهتمت جامعات كثيرة في العالم بالبحث في علم الباراسايكولوجي، أو المس الشيطاني أو مس الجن للإنسان، ومنها جامعة كورنينجن وسيتي كوليدج في نيويورك، وفي انكلترا تواصل الكلية البريطانية للعلم الروحي أبحاثها في هذا العلم، وكذلك كلية أدنبرة الروحية، وجامعة لندن أصبح بها معمل للبحوث سمي (المعمل الوطني للبحث الروحي) وتصدر جريدة أسبوعية توضح آخر الأبحاث في هذا المجال، أما في فرنسا فيوجد المعهد الدولي لما وراء الروح. ورغم أن هذه الظاهرة غير مدروسة علميا فإن العديد من أجهزة المخابرات مثل السي أي أيه(CIA)، قامت برعاية برامج عن الباراسايكولوجيا وخاصة للاستشعار عن بعد.

ويمكن تصنيف الأحداث الغير عادية والإستثنائية (سواء أكانت من الخوارق أو غيرها) إلى ما يلي  :



1-  المعجزة  Miracle

تمثل المعجزة حدثاً يخرق بوضوح قانوناً فيزيائياً ويشهده مجموعة من الناس ، وما يميز المعجزة عادة عن الخوارق الأخرى أن لها صلة بما ذكر في مرجع أو كتاب ديني أو أنها تمت بواسطة شخص له مرجعية دينية بين قومه باعتباره مرسل من الله أو الإلهة (بحسب المعتقد)، والمعجزة تأتي هنا لتساعده في نشر رسالته الدينية أو فلسفته الجديدة بين قومه ، وللمعجزة مكانة عالية في معتقدات الناس تتجاوز الخوارق من الظواهر لأنها تستمد مصداقيتها من المعتقد الديني أو الثقافة الروحية الموروثة كما أنها نادراً ما تتكرر.

أمثلة عن المعجزات :
- معجزة خلق الناقة بواسطة النبي صالح.
- معجزة إنشقاق البحر الأحمر بواسطة النبي موسى.
- معجزة تحول العصا إلى حية بواسطة النبي موسى.
- معجزة إحياء الميت بواسطة النبي عيسى (المسيح)
- معجزة إنشقاق القمر بواسطة النبي محمد .

تأثير المعجزة في ثقافة المجتمع
تكتسب المعجزة حضورها وقوتها في الثقافة المتوراثة للمجتمع من خلال :
1- مكانة الأشخاص الإجتماعية (مكانة ثقافية ودينية ) الذين تمت الخوارق بواسطتهم كالأنبياء والقديسيين واالأولياء الصالحين وما يوصفون بـ"المبروكين "مثلاً .

2- عدد ومكانة الأشخاص الذين شهدوا على هذه الخوارق ويكونون عادة على صلة وثيقة بمن حدثت بواسطتهم الخوارق كالصحابة والتلامذة أو الأتباع.

3- الكتب التي تعتبر بمثابة مراجع دينية وبأنها كلمة الإله أو رسل الإله التي ذكرت تلك المعجزة.

- لكن المعجزة يمكن أن تتحول إلى مجرد "اسطورة" أو حتى أقل شأناً كـ "خرافة" وذلك مع سواء مع تطور ثقافة المجتمع والإنجازات والإكتشافات العلمية أو مع هيمنة منظومة معتقدات أو أديان لاحقة أخرى تنبذ ما سبقها من معتقدات أديان سابقة.

2- الظاهرة الخارقة  Paranormal Phenomena

تمثل قوانين وقوى فيزيائية لم نتمكن من فهمها حتى الآن ، والظاهرة مبنية أساساً على تكرار الحادثة الغامضة من دون التوصل إلى تفسير معقول على ضوء ما نعرفه من قوانين فيزيائية ونظريات متحقق منها في المختبرات ما زالت هذه الظواهر تحير الباحثين حتى الآن ، فهناك عدد ضخم من التقارير والتجارب الواقعية والتي تكون في أغلبها تجارب شخصية تكشف عن غموض العقل والنفس ونذكر من هذه الظواهر :

- الأجسام الطائرة المجهولة (يوفو) وتجارب الإختطاف.
- الأطياف المجهولة (الأشباح) والمس الشيطاني.
- القدرات ما فوق الحسية مثل التخاطر ، الإستبصار ESP .
- قراءة المستقبل والرؤى التنبؤية.
- تأثير العين والحسد والطاقات.
- الاماكن  التي توصف بـ "المسكونة"
- تجربة إقتراب الموت NDE.
3- الأسطورة Myth

الأسطورة قصة أو مجموعة من القصص المروية تأتي على ذكر حدوث أمور خارقة أو تتمحور حول كائنات خارقة بحيث يصعب دحضها كما يصعب إثبات صحتها ، وتستمد الأسطورة قوتها من إنتشار الشائعات وشهادات الناس المزعومة وتناقلها الشفهي من جيل إلى جيل مع مر الزمن ، إلا أن أهميتها منخفضة نسبياً في ثقافة المجتمع بالمقارنة مع "المعجزة" و "الظاهرة الخارقة" وذلك تماشياً مع تطور ثقافتهم (معتقداتهم ومعارفهم).

إن ما قد يعتبر "معجزة" لدى مجتمع في حقبة زمنية معينة قد يتحول إلى مجرد "أسطورة" في حقبة لاحقة حتى لدى نفس المجتمع ولكن بعد أن تطرأ تغييرات في ثقافته (المعتقدات والمعارف)، وهذا لا يعني أن كل "أسطورة" هي مجرد "خرافة"، فقد تعود بعض الأساطير في جذورها إلى أمور حدثت بالفعل على مبدأ (لا دخان بلا نار)، إلا أن  النقل الشفهي أو الكتابي وما يعتريه من خيال المؤلفين والكتبة على مر العصور يساهم في تضخيم تفاصيل الأحداث الفعلية أو  في إضافة عناصر للقصة لم تكن موجودة فيها ، فمثلاً قد ينخدع الصيادون القدامى بحيوانات الفقمة ليروا فيها حوريات البحر التي تناقلتها الألسن في حقبة من الزمن وقد يكون التنين له أصل في حيوان منقرض وقضية النار كانت تضخيماً خرافياً.

أمثلة عن كائنات أسطورية (والبعض يرى أنها خرافية تماماً) :


- التنين وماينوتور وطائر الفينيق والحصان المجنح وعبد البحر.
- ومن الجن والأشباح نذكر جنية العقبة وأم الدويس وأبو السلاسل وعيشة قنديشة .

أمثلة عن خوارق أسطورية:


- بئر الخصوبة وأهل الخطوة والسير على الماء 


يمكن أن تتحول الأسطورة إلى :

1- "حقيقة " Fact : عندما يتم الثبت منها من خلال إكتشاف قوانينها الفيزيائية وظروف منشأها بحسب تطور معارفنا أو بالاستناد إلى مراجع تاريخية ذات أهمية تم إكتشافها خلال الكشوفات الأثرية.

2- "خرافة" Superstition: عندما يتم الكشف عن خطأها أو دحضها بحسب تطور معارفنا .

3- أسطورة ممكنة الحدوث : أي تبقى محل شبهات ،  ويحتمل أن تحوي بعض الحقائق التي تم التحقق منها بحسب معارفنا الحالية . وهنا يمكن أن نقول أنها "ممكنة الحدوث " مع هامش من الشك يقل أو يزيد بحسب درجة غموضها.

4- الخرافة  Superstition

الخرافة إما أن تكون خيال كتبه أو نقله الأسلاف فصدقه الأخلاف في زمن لاحق ثم تبين لهم فيما بعد ومع تطور ثقافتهم أنه محض خيال ولا أساس له من الصحة ، وإما أن يكون أسطورة وثبت زيفها فيما بعد مع تطور ثقافة أو معارف المجتمع.

5- الدليل المزيف Fake Evidence


هوعملية تزييف متعمدة تهدف إلى الترويح إلى "دليل" على حادثة خارقة أو وجود كائن غامض ،  وقد يكون بشكل مقطع فيديو أو دمية أو خدعة بصرية أو من ألعاب الخفة التي يجهل قوانينها معظم الناس ، وتختلف أهداف الادلة المزيفة ولكن كثيراً منها يهدف إلى الشهرة أو المال (بيع كتب أو أفلام ، الترويج التجاري الفيروسي لمكان سياحي أو منتج) أو دعوة مغلفة بالكذب إلى دين أو مذهب معين يسعى لجذب منتمين جدد إليه ، ونذكر مثالاً على الأدلة المزيفة وهو إناء فرخ التنين .

الصورة لم تعد دليلاً


لم تعد الصورة سواء أكانت الثابتة أم المتحركة (تسجيل فيديو) دليلاً لإثبات ظاهرة ما ورائية خصوصاً مع سهولة التلاعب بها في برامج معالجة الصور على الحاسب كالمزج الذكي لعناصر صور أخرى في الصورة المنشورة مع مراعاة ظروف الإضاءة والظلال 

عندما تشاهد صورة على الإنترنت بدون أن تعلم اسم المصور ، مكان التصوير وزمانه وقصة الصورة فعليك هنا أن تتشكك بها أكثر من أي صورة أخرى ، فمن مصلحة ناشر الأكاذيب أن يخفي هويته ويخفي الزمان والمكان لكي لا يستطيع أحد التأكد على الأرض من صحة تلك الصورة. ومن مصلحته أيضاً أن تكون مبهمة التفاصيل لكي تكون موضع إشتباه وحيرة .

وقد يكون الدليل المزيف مصنوعاً بطريقة إحترافية بحيث لا يستطيع معه خبراء التصوير كشف زيفه إلا بعد أن يقوم أحد ما بفضح الخدعة وقد يكون الدليل المزيف محاولة لترسيخ فكرة أو "نظرية مؤامرة " فيعرض في السياق كل الإشارات والتلمحيات لدعم هذه النظرية وهو ما ينشده معده وقد ينجح في خداع الكثيرين وبيع كتبه أو يكتفي بتحقيق أعلى نسبة مشاهدة في اليوتيوب  .

مفهوم الخوارق مع مرور الزمن

يقول الفيلسوف الأمريكي (إلبرت هوبارد ) : " الخارق هو الأمر الطبيعي الذي لم يُدرس بعد ".

إن ما يعتبر "معجزة" أو ضرب من السحر والخيال في عصر متأخر من المعرفة العلمية قد يكون "قانوناً فيزيائياً معلوماً" في عصر متقدم عليه نسبياً. على سبيل المثال ومن منظور شخص عاش قبل 300 سنة يكون جهاز التلفزيون كالبلورة السحرية وتكون وسيلة نقل كالطائرة كبساط الريح الذي ذكرته روايات الخيال كقصص ألف ليلة وليلة ،  وذلك لأنه لم يصل إلى  فهم القوانين والقوى الفيزيائية المستخدمة في بناء هذه المخترعات.


العقل والقلب : طرفا الصراع


في الواقع يتدخل طرفان في منظورنا نحو الأحداث الإستثنائية وهما العلم ويمثله العقل والإيمان ويمثله القلب ، فإما أن نسلك درب التشكك من أجل الوصول إلى الحقيقة وإما أن يقودنا الإيمان إلى الوصول إليها من خلال التحقق من "المعتقد"الذي نؤمن بها . 

مع ذلك قد يوقعنا التشكك المتطرف في فخ غرور الوصول إلى المعرفة الكاملة أو الإدعاء بأن العلم فسر كل شيء وبأننا نستطيع من خلال القوانين الفيزيائية تفسير كل ظاهرة مما يقود إلى إستبعاد أي نظرية أخرى في تفسير الأمور الخارقة للعادة وفي الإقلال من شأنها والنظر إليها كأمر طبيعي دون برهان قوي.

وعلى نحو مماثل يوقعنا الإيمان الأعمى في فخ معتقدات لطالما اعتبرناها من المسلمات في تغييب العقل مما يؤدي إلى الإبتعاد عن الحقيقة والتعلق بالأماني والخيال، فعلينا أن لا نرى الحقيقة كما نريد أن تكون بل كما هي وتماشياً مع ما وصلت إليه استناجاتنا العقلية والمنطقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبر عن رايك وشاركنا بيه رايك يهمنا ..
ولكن الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية