الأربعاء، 9 مارس، 2016

السفر عبر الزمن

أثمن وأبدع ما فى الإنسان هو الخيال، تلك الطاقة السحرية اللا نهائية التى تقفز الأسوار وتعبر الآفاق، وتصل إلى ما لا يصل إليه الوعى، فتسبق العلم وتقوده، وترشد الصناعة وتوجّهها،والخيال الآبق المتحرر طالما انشغل بالزمن، الماضى والمستقبل، وبالقدرة على العبور فيهما والتعامل مع ناسهما، وقد تجلّى هذا الخيال على صفحات الروايات الأدبية، وفى شرائط السينما، ليكون الخيال العلمى متعة للناس، وحافزًا للعلماء، وهو ما تكرر مؤخّرًا مع فكرة طالما قرأناها فى عشرات الروايات وشاهدناها فى كثير من الأفلام، ليقف العلم اليوم على مرمى حجر منها ومن تحقيقها، إنه ذلك الموضوع الساحر المثير للدهشة والغرابة والتطلّع دائمًا، إنه السفر عبر الزمن.



* ماهو السفر عبر الزمن
لسفر عبر الزمن هو الانتقال إلى الوراء أو إلى الأمام من نقاط مختلفة فى الزمن، بشكل يماثل الانتقال خلال المكان، أو الانتقال بين أكوان متوازية، وأساس الفكرة أن البعض يعتقدون أن النظرية النسبية تسمح بعودة الزمن إلى الوراء إذا ما تم تجاوز سرعة الضوء، حيث يرى العلماء أن هناك العديد من المفارقات بخصوص تمدّد الزمن، أشهرها مفارقة التوأم، فمثلا لو سافر أحد توأمين على سفينة لمدة 10 أعوام بسرعة قريبة جدًّا من سرعة الضوء، فسيجد ابنه المولود حديثًا قد أصبح عمره عشرين عامًا، أو أن أخيه التوأم يكبره بأقل من عشرة أعوام، اعتمادًا على نسبة سرعة المسافر للضوء.
وقد استطاع العلماء تسريع جسيمات أولية مثل الإلكترون والبروتون إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء، ولاحظوا زيادة فى كتلتها، وأن تلك الزيادة تتّفق تمامًا مع معادلات نسبية آينشتاين.
ويرى العالم “كارل ساجان” أن هذا الأمر يمكن الوصول إليه خلال عدة مئات من السنين، وبناء على ذلك تمّ تشكيل مجموعة من العلماء برئاسة الأمريكى “كيب ثورن” والروسى “إيجور نوفيكوف”، وهو ما أسموه بـ “كونسورتيوم” روسى – أمريكى لتحقيق تقنية تسمح بابتكار آلة للسفر عبر الزمن.
وقد افترض العالم “ويليام كليفورد” عام 1870 احتمال أن يكون الفضاء الكونى رباعىَّ الأبعاد، ينطوى على منحنيات تشابه تضاريس سطح الأرض، ولم يكن ينقص تصوّره سوى التفسير الفيزيائى الصحيح حتى يتطابق مع النظرية النسبية العامة، التى طرحت بعد 45 عامًا، فالبعد الرابع فى الفضاء لم يكن سوى الزمن، وانحناء الفضاء يحدث بتأثير جاذبية الأجسام، وقد تكوّنت لدى آينشتاين المادة الخام لنظرية متكاملة للجاذبية، يمكن أن تكون بديلاً لنظرية نيوتن فى 1905م، عندما قدم النظرية النسبية التى وضع فيها معادلات حركة الأجسام فى فضاء مستوٍ رباعىَّ الأبعاد، ولما كان آينشتاين غير بارع فى الرياضيات فقد لجأ لصديقه فى الدراسة “مارسيل جروسمان”، الذى كان وقتها عميدًا لمعهد البوليتكنيك بزيوريخ، وكان بارعا فى الهندسة اللا إقليدية، ووجد الحل فى هندسة “ريمان” للأسطح المنحنية المغلقة، وقدم آينشتاين الصيغة النهائية للنظرية فى ثلاث جلسات فى أكاديمية العلوم فى برلينجام عام 1915م، و طبعت عام 1916م.
غيرت النظرية النسبية العامة نظرتنا إلى الكون، فالمكان والزمان ليسا خلفية ثابتة للأحداث، وإنما هما مساهمان نشيطان في ديناميكا الكون. والفكرة الأساسية هى أنها تضمّ “بُعد” الزمان إلى أبعاد المكان الثلاثة، لتُشكّل ما يُسمّى”الزمكان”، وتدمج النظرية تأثير الجاذبية بأنها “تحنى” الزمكان بحيث لا يكون مُسطّحًا، ولما كان الزمكان منحنيًا فإن مسارات الأجسام تظهر منحنية، وتتحرك كما لو كانت متأثرة بمجال جاذبية، وانحناء الزمكان لا يؤدى فقط إلى انحناء مسار الأجسام، ولكنه يؤدّى أيضًا إلى انحناء الضوء نفسه، وقد وجد أول برهان تجريبى على ذلك عام 1919م، حيث تم إثبات انحناء الضوء الصادر عن أحد النجوم عند مروره بالقرب من الشمس، تأثّرًا بجاذبيتها، وتم ذلك بمراقبة الموقع الظاهرى للنجم خلال كسوف الشمس، ومقارنته بموقعه الحقيقى خلف الشمس، فالزمكان ينحنى بشدّة فى وجود الأجسام ذات الكتل الضخمة مثل النجوم والشمس، ويعنى ذلك أن مسار الأجسام ينحرف فى المكان أثناء الحركة، وكذلك تنحنى فى الزمان بأن تبطئ زمنها الخاص نتيجة لتأثير الجاذبية الواقعة عليها، فإذا تصوّرنا فضاء رباعىّ الأبعاد له ثلاثة أبعاد تمثل المكان وبعد رابع للزمان، ورسمنا خط الحركة المنحنية للجسم مع تباطؤ الزمن على المحور الرابع، لظهر لنا الزمكان منحنياَ بتأثير الكتلة الجاذبة.
* الثقوب السوداء والسفر عبر الزمن
فى العام نفسه الذى ظهرت فيه نظرية النسبية العامة، عام 1916م، وطرحت فكرة انحناء الزمكان، أثبت الفلكى الألمانى “كارل شفارتزشيلد” أنه إذا ضغطت كتلة معينة فى حدود نصف قطر صغير بما فيه الكفاية، فإن انحراف الزمكان سيكون كبيرًا بحيث لن تتمكّن أيّة إشارة من أى نوع من الإفلات، بما فى ذلك الضوء نفسه، مكونًا حيّزًا لا تمكن رؤيته، سُمّى فيما بعد بـ “الثقب الأسود”، ويحدث ذلك عند انهيار نجم تتجاوز كتلته ضعف كتلة الشمس، حيث ينضغط ويتداخل بفعل قوته الجاذبة حتى تكون كل مادة النجم قد انضغطت فى نقطة ذات كثافة لا متناهية، تُسمّى نقطة التفرد الزمكانى، وأى شعاع ضوء أو أى جسم يرسل داخل حدود الثقب الأسود، ويسمى أفق الحدث، يسحب دون هوادة إلى مركز الثقب الأسود.
ومن الناحية النظرية يبدو أنه عند الاقتراب من الثقب الأسود تتزايد انحناءة الزمكان حتى تبلغ أفق الحدث، الذى لا نستطيع أن نرى ما وراءه، ورغم أن فكرة وجود نجم بهذه المواصفات ترجع إلى العالم “جون ميتشيل” الذى قدّمها فى ورقة بحث عام 1783م، إلا أن “شفارتزشيلد” رأى أنه عند خروج جسم من الثقب الأسود نجد أن انحناء الزمكان داخل الثقب الأسود يبدو لنا وكأنه يفتح مرة أخرى على زمكان آخر، فكأنما الثقب الأسود يربط زمكان كوننا بزمكان مختلف، ربما زمكان كون آخر.
وفى عام 1963م نشر “روى كير”حلولاً لمعادلات آينشتاين المتعلقة بالثقوب السوداء الدوّارة، حيث تبيّن أنه من الممكن – من حيث المبدأ – الدخول إلى ثقب أسود دوّار من خلال ممرّ يتجنب التفرُّدية المركزية “نقطة الانسحاق”، ليظهر على ما يبدو فى كون آخر، أو ربما فى منطقة زمكان أخرى فى كوننا ذاته، ويُشكّل الثقب الأسود ما يُسمّى بـ “الثقب الدودى”، وبذلك تثير هذه النتيجة بشكل قوى إمكان استخدام الثقوب السوداء بوصفها وسيلة للسفر إلى الماضى، أو بين أجزاء مختلفة من الكون والزمان.
* كيف نسافر عبر الزمن؟
غير الثقوب السوداء توجد الأوتار الكونية، وهى أجسام يفترض أنها تخلّفت عن الانفجار العظيم، لها طول يُقدّر بمئات السنين الضوئية، ولكنها دقيقة جدًّا إلى حدّ انحناء الزمكان “الزمان والمكان” بشدّة حولها، فإذا تقابل وتران كونيان يسير أحدهما عبر الآخر بسرعة الضوء تقريبًا، لتكوّن منحنى مغلقًا للزمكان يستطيع المرء اتّباعه للسفر إلى الماضى.
وقد وضع “كيب ثورن” وزملاؤه تصميمًا خياليّا لآلة للسفر عبر الزمن تعتمد على تخليق ثقب دودى ميكروسكوبى فى المعمل، وذلك من خلال تحطيم الذرة فى معجّل للجسيمات، ثم يلى ذلك التأثير على الثقب الدودى الناتج بواسطة نبضات من الطاقة حتى يستمر فترة مناسبة، وتلى ذلك خطوة تشكيله بواسطة شحنات كهربية تؤدى إلى تحديد مدخل ومخرج للثقب الدودى، ثم تكبيره بحيث يناسب حجم رائد فضاء، بواسطة إضافة طاقة سلبية ناتجة عن نبضات الليزر، ولكن لا يزال ذلك إلى الآن مجرد خيال.
بينما ما زالت مسألة السفر عبر الزمن مثار جدل بين العلماء، ما بين مؤيّد ومعارض لإمكانية حدوثها، فيرى “بول ديفيز” أن ما يجرى داخل الثقب الأسود سيظل مثيرًا للبحث العلمى والتأمل العقلى، وأنه يستطيع أن يكشف لنا عن مزيد من جوانب الطبيعة التى يتسم بها الزمن.
* السفر عبر الزمن فى روايات الخيال العلمى
استثمر الأدباء فكرة السفر عبر الزمن فى قصص الخيال العلمى، والتى تحمس لبعضها منتجون سينمائيون لتنفيذها فى أفلام لاقى معظمها رواجًا لدى الجمهور، ومن أمثلة ذلك ما كتبه”توفيق الحكيم” فى مسرحيتى: “أهل الكهف” و”رحلة إلى الغد”، وجاك فيسنى فى “وجه فى الصورة”، ورؤوف وصيفى فى “مغامرة فى القرن السادس عشر”، والأديب الإنجليزى جون ويلز عام 1895 فى “آلة الزمن”، والتى تم إنتاجها كفيلم سينمائى، وفيلم “العودة إلى المستقبل” الذى جمع بين الكوميديا والخيال، حيث يعود البطل إلى الزمن الماضى لإصلاح الأمور بين والده ووالدته قبل إنجابه.
وكذلك أفلام: The Jacket”” إنتاج 2005، Looper إنتاج 2012، The Butterfly Effect ، Primer إنتاج 2004، Monkeys 1إنتاج 1995، Source Code إنتاج 2011، Donnie Darko إنتاج 2001، Groundhog Day إنتاج 1993، Terminator Trilogy (1984,1991,2003)، Back To The Future Trilogy (1985,1989,1990).

هناك تعليق واحد:

  1. لا يمكن ابدا ان تصل سرعة اي جسم مادي الى سرعة الضوء مهما بذلنا من طاقة اي عند التنقل بسرعة الضوء الجسم سوف يتلاشى و حتى الجسيمات التي يتكون منها جسمه سوف تنسحق تواريخها في الزمن الحقيقي وستنتهي .القوة الى الله سبحانه

    ردحذف

عبر عن رايك وشاركنا بيه رايك يهمنا ..
ولكن الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية